كانت نسائم الصباح دافئة خفيفة تداعب أوراق الأشجار و الأزهار وتهدهد أعشاش الطيور المحتضنة بيضها و الشمس ترسل خيوطها الذهبيّة وتزيد مع الدفء ألوانا في أرجاء الكون فتحثّ ذكور الطيور على التّحليق والسعي لجلب القوت لإناثها لتأكل و تطعم فراخها. كان هذا ما أوحاه لي المشهد وأنا أسير نحو البيت أحمل لوازم فطور الصباح وأحلم بعودته بعد ليل طويل قضيته دونه. كان ليلا باردا كليالي الربيع زاده بردا خلوّ المكان من حولي و زاد ليلي طولا افتقادي له و إشتياقي إليه.أنا الأمّ التي لا ترى شيئا يمكن أن يكون أثمن من دفء الحياة العائليّة.
تفقّدت دفّة خزانته مرارا وتأكّدت من وجود ملابسه و كلّ أشيائه فيها فلا عقلي ولا قلبي قبلا فكرة أن يكون قد إختار الرّحيل. كان خلافنا عميقا و شجارنا حادّا هذه المرّة غير أنّ ما يجمعنا كان حتما أقوى.كان حبّا وزواجا وأطفالا وودّا ورحمة.
"لا يمكنه أن ينسى كلّ هذا ويرحل. قد يفعلها في لحظة غضب ولكنّه حتما سيعود إلى رشده حالما يهدأ."
هكذا كنت أطمئن نفسي كلّما نظرت في ساعة هاتفي المصرّ على الإمعان في الصّمت وكأنّه يؤكّد ما تشير إليه ساعته من تأخّر في الوقت. لكن سرعان ما أنسى كلّ هذا وأتساءل:"ما الذي يجعله يستشيط غضبا كلّما قارنت ضنك حياتي بترف حياة بعض صديقاتي؟"
"هل عليّ أن أتحمّل مرارة الحرمان دون أن يكون لي الحقّ في التّعبير عن ما يخالجني؟"
"هل يتحتّم عليّ إخفاء مشاعري على كلّ من حولي وكتمانها حتّى على من أعتبره توأم روحي؟"
هل عليّ أن استبطن كلّ عقده و أستشعر عن بعد كلّ ما يمكن أن يخدش كبرياء رجولته؟
قد تكون أشياء تقلق كلّ الرّجال لكن لماذا لا يصدّق أنّني أجهل ذلك ولا أقصد إحراجه وأنّ كلّ ما يصدر منّي من صراخ أو تذمّر إنّما يصدر عن أغلب النّساء المتعبات من ضغوطات الحياة في لحظات نحاول فيها التّخفيف عن أنفسنا.
هل عليّ أن أكون خبيرة بنفسيّة الرجال وليس عليه أن يعرف شيئا عن طباع النّساء؟
عندها فقط أحسّ أنّه مذنب مثلي وأنّه لا بدّ أن يخلص إلى ما خلصت إليه من أنّه لم يكن هو فقط ضحيّة سوء تفاهمنا.كلانا كان مخطئا وسيكون هو من سيحتوي الخلاف بحكمته و يبدأ بالسّعي إلى الصّلح بطيبته.
"لا،هو حتما لم يرحل."
قلت لشرطيّ المرور الذي وجدته أمام بيتي يخبرني برحيله الأبديّ، "كيف له أن يرحل هكذا دون أيما رحمة؟"
هل نسي أنّ اليوم سيكون عيد زواجنا؟ هل نسي أنّنا نتشاجر قبل هذا التّاريخ من كلّ سنة وكأنّ القدر يتضامن معنا ويضفي على بساطة احتفالنا بعيد زواجنا كلّ سنة إحتفالا إضافيّا بتصالحنا فيجعل عيدنا مضاعفا؟
هل نسي أنّ سبب خلافنا هذا العام كان من أجل تعليم أبنائنا في مدرسة خاصّة نحن الأستاذان المدافعان على التعليم العمومي الذي تدهور حاله و الذي نتقاضى منه رواتبنا التي تعجز على توفير تعليم أفضل لأبنائنا؟ لمن سيترك تنفيذ البرنامج التّقشّفيّ الذي سطّره ؟
ماذا عساي أقول لأولادي الذين شهدوا شجارنا؟ كيف لي أن أهرب من نظرات الإتّهام في أعينهم؟ من سيكون سندا لي في تربيتهم و توفير طلباتهم التي لن تنتهي؟ لا لن يتنصّل من مسؤوليّته بهذه السهولة .
كانت يداي تتحاشيان أخذ ورقة كان الشرطيّ يريد أن يسلّمها لي وكانتا في نفس الوقت تمسكان بالشّرطيّ من ملابسه مخافة أن يرحل تاركا أسئلتي دون إجابات.
فجأة شعرت بيدين تمسكان بي من كتفي. كانتا عريضتين دافئتين، أجل كانتا بنفس دفئ يديه و لطفهما رغم خشونتهما. ثمّ سمعت صوتا أجشّا كصوته حالما يستيقظ من نومه : "هيّا إستيقظي ما بالك تركلين و ترفسين هكذا هل ترين حلما مزعجا في صباح كهذا أجل إنّه حيّ،لم يرحل ولم يتركني،حمدت الله على نعمة وجوده إلى جانبي ينبض حياة وكدت أرتمي في أحضانه طالبة الصّفح عمّا بدر منّي و تسبّب في إزعاجه و كدت أورّط نفسي في وعود لا قبل لي بتنفيذها مثل الكفّ عن التّذمّر و الرّضى بالقليل الممكن والعودة عن بعض طموحاتي التي يراها غير ممكنة , وإذا به يردف: "أشكري ربّك أنّني أيقظتك من كابوسك قبل أن تقعي من "السّرير.
عندها تداركت نفسي و غلبت عليّ حكمة النّساء الكادحات المثقلات بمتاعب الحياة، التائهات بين حرب المادّة والمشاعر والتي يروق للبعض تسميتها بكيد النّساء و جمعت كلّ ما أوتيت من دهاء و دلال لأقول مازحة:"الحمد للّه أنّك كنت إلى جانبي و أيقظتني من هذا الكابوس الذي رأيت . لكن يا عزيزي أرني كيف ستحوّله حلما في صبيحة عيد زواجنا ولا تقل لي أنّك أيقظتني من كابوس في المنام إلى كوابيس اليقظة."
عندها تداركت نفسي و غلبت عليّ حكمة النّساء الكادحات المثقلات بمتاعب الحياة، التائهات بين حرب المادّة والمشاعر والتي يروق للبعض تسميتها بكيد النّساء و جمعت كلّ ما أوتيت من دهاء و دلال لأقول مازحة:"الحمد للّه أنّك كنت إلى جانبي و أيقظتني من هذا الكابوس الذي رأيت . لكن يا عزيزي أرني كيف ستحوّله حلما في صبيحة عيد زواجنا ولا تقل لي أنّك أيقظتني من كابوس في المنام إلى كوابيس اليقظة."
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire